الحق أقول لكم

تقدم كلمة حق و تعرض رؤية مستنيرة.

ليالي السحر و الجمال

 

  

ألف ليلة وليلة

رؤية جديدة لكتاب ” ألف ليلة وليلة “

                                                   بقلم : إبراهيم كامل

 

” ألف ليلة وليلة ” ذلك الكتاب الساحر الأخاذ.. بوابة عالم السحر والخيال الذي ما أن تدخله حتى تتوه في زحام تقابل فيه الجميلات الفاتنات والعجائز الماكرات والرجال المغامرين واللصوص والشطار والملوك والصعاليك والحكماء والمجانين والحمقى والمتحامقين والعشاق والفساق والعباد والزنادقة.. وهو عالم رحيب يسع الإنس والجن تتعرف فيه علي اللامرئي وتعانق المستحيل.. عالم تمتطي فيه حصان خيالك وتبدأ رحلة استكشاف ذلك العالم الرحيب الذي لا تمل أبداً من التنقل في جنباته.

 

ولن يقتصر الأمر على تقديم الحكايات ولكن سنسلط الضوء على الحياة الاجتماعية ونتعرف على ما يتصل بالتاريخ والآثار والتحف والحرف والصناعات وما رسم من منمنمات زينت مخطوطات ألف ليلة وليلة.    

ألف ليلة وليلة هي مجموعة متنوعة من القصص الشعبية عددها حوالي مائتي قصة تتداخل لغتها بين الفصحى والعامية, ويتخللها شعر مصنوع، أكثره ضعيف التركيب في نحو 1420 مقطوعة, و كلها حديثة, مما جعل البحث في أصلها عسير جداً. و قد قيل إنها مترجمة عن أصل بهلوي فارسي اسمه الهزار أفسان أي الألف خرافة, و لكن هذا الأصل لم يعثر عليه قط. و عموما, فإن تاريخها الحديث يبدأ عندما ترجمها إلى الفرنسية المستشرق الفرنسي انطوان جالان عام 1704م, والذي صاغ الكتاب بتصرف كبير, و صار معظم الكتاب يترجم عنه طوال القرن الثامن عشر وما تلاه. وقد قُلّدت الليالي بصورة كبيرة واستعملت في تأليف القصص وخاصة للأطفال, كما كانت مصدراً لإلهام الكثير من الرسامين والموسيقيين ومنها المتوالية الأوركسترالية ” شهرزاد ” لكورساكوف. وتحتوي قصص ألف ليلة وليلة على شخصيات أدبية خيالية مشهورة كعلاء الدين، وعلي بابا والسندباد، بدور ، شهرزاد و شهريار، الشاطر حسن. وتسمى في البلاد الغربية الليالي العربية.

 

أما الحقائق الثابتة حول أصلها, فهي أنها لم تخرج بصورتها الحالية, وإنما أُلّفت على مراحل وأضيفت إليها على مر الزمن مجموعات من القصص بعضها له أصول هندية قديمة معروفة, و بعضها مأخوذ من أخبار العرب وقصصهم الحديثة نسبياً. أما موطن هذه القصص, فقد ثبت أنها تمثل بيئات شتى خيالية وواقعية, وأكثر البيئات بروزاً هي في العراق وسوريا ومصر. والقصص بشكلها الحالي يرجح كتابتها في القرن الرابع عشر الميلادي.

مؤلف الكتاب

 

حكايات في عالم مشغول بالسحر والسحرة، صاخب إلى أبلغ درجات الصخب والهوس والعربدة، ماجن إلى آخر حد، مجنون مفتون، نابض بالحياة والخلق والحكمة والطرب ويميل بعض النقاد إلى الاعتقاد بأن واضع هذا الكتاب ليس فرداً واحداً بالرغم من إجماعهم على أن نواة ألف ليله وليلة فارسية. ويميل بعضهم إلى الجزم بأن أصل الكتاب هندي مع إقرار ببعض الفضل للفرس والعرب فيه فهناك حكايات عديدة نسبت إلى الهند وبلاد فارس وحكايات تنسب إلى بغداد و الكوفة والبصرة ودمشق والقاهرة ومصر و اليمن.

وقد كتب محسن مهدي في مقدمة طبعة ا. ي. بريل عام 1984 أنه “بعد أن انتقلت نسخة الكتاب الخطية بين الشام ومصر مدة تزيد على أربعة قرون من الزمن، وترجم من نسخ خطية إلى اللغة التركية والفرنسية والإنجليزية، وظهرت منه مقتطفات مطبوعة في إنجلترا في نهاية القرن الثامن عشر من الميلاد، طبع الكتاب لأول مرة في كلكتا في الهند في جزئين، في المطبعة الهندوستانية وبرعاية كلية فورت وليم - الجزء الأول بعنوان “حكايات مائة ليلة من ألف ليلة وليلة” عام 1814 م، والجزء الثاني بعنوان “المجلد الثاني من كتاب ألف ليلة وليلة يشتمل على حكايات مائة ليلة وأخبار السندباد مع الهندباد” عام 1818 م - نشره الشيخ أحمد بن محمود شيرواني اليماني أحد أعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة العربية في الكلية المذكورة. وقد أقتصر الناشر على وضع مقدمة موجزة باللغة الفارسية ذات الأسلوب الهندي في أول كل واحد من الجزأين هذا نصها وترجمتها:

 

” لا يخفى أن مؤلف ألف ليلة وليلة شخص عربي اللسان من أهل الشام. وكان غرضه من تأليف هذا الكتاب أن يقرأه من يرغب في أن يتحدث بالعربية فتحصل له من قراءته طلاقة في اللسان عند التحدث بها. ولهذا كتب بعبارات سهلة كما يتحدث بها العرب، مستعملاً في بعض المواضع ألفاظًا ملحونة بحسب كلام العرب الدارج. ولذلك فلا يظن من يتصفح هذا الكتاب ويجد ألفاظًا ملحونة في مواضع منه أنها غفلة من المصحح، وإنما وضعت عمدًا تلك الألفاظ التي قصد المؤلف استعمالها كما هي.”

وإن كان محسن مهدي يرجع ما يصفه الشيخ شيرواني بالألفاظ الملحونة إلى التعديلات التي قام الأخير بها ” كما اشتهى وكما أملاه طبعه اللغوي وذوقه الأدبي ” وهي إشارة من محسن مهدي إلي أن النسخة الأصلية قد مرت بأطوار من التعديلات على أيدي الناشرين.

 

عصر الكتاب واسمه

 

يغلب الظن إن هذا الكتاب وضع بين القرن الثالث عشر والقرن الرابع عشر, أما اسم الكتاب فلم يعرف قط، ولكن يقال أنه أطلق عليه اسم فارسي، (هزارافسانه), وتعني ألف خرافة وأما عامة الناس فيطلقون عليه أسم ألف ليلة وليلة وهو ما وصل إلينا.

وتبدأ الليالي بقصة الملك شهريار الذي يشاء القدرأن يعلم بخيانة زوجته له فيأمر بقتلها وقطع رأسها، وأن ينذر أن يتزوج كل ليلة فتاة من مدينته ويقطع رأسها في الصباح انتقاماً من النساء. حتى أتى يوم لم يجد فيه الملك من يتزوجها فيعلم أن وزيره لديه بنت نابغة اسمها شهرزاد فيقرر أن يتزوجها وتقبل هي بذلك. وتطلب شهرزاد من أختها دنيازاد أن تأتي إلى بيت الملك وتطلب من أختها أن تقص عليها وعلى الملك قصة أخيرة قبل موتها في صباح ذلك اليوم فتفعل أختها دنيازاد ما طلب منها. في تلك الليلة قصت عليهم شهرزاد قصة لم تنهها وطلبت من الملك أنه لو أبقاها حية فستقص عليه بقية القصة في الليلة التالية. وهكذا بدأت شهرزاد في سرد قصص مترابطة بحيث تكمل كل قصة في الليلة التي تليها حتى وصلت بهم الليالي ألف وليلة واحدة. فوقع الملك في حبها وأبقاها زوجة له وتاب عن قتل الفتيات واحتفلت مدينة الملك بذلك لمدة ثلاثة أيام. إن” ألف ليلة وليلة ” ليس مجرد كتاب حكايات, إنه عالم أسطوري ساحر، مليء بالحكايات الجميلة والحوادث العجيبة والقصص الممتعة والمغامرات الغريبة. عالم يعبره القارئ بمركبه الروحي في رحلة من أجمل رحلات الاستمتاع النفسي ينتهي منها مفتوناً، مأخوذاً بصور الجمال الباهرة والأحداث المتداخلة والسرد العفوي أحياناً. وهي بالإضافة إلى ذلك إنجاز أدبي ضخم قدره الغربيون فترجموه إلى لغاتهم، وأمعنوا في دراسته وتحليله. حتى تحولت الليالي إلى وحي لفنانين كثيرين أخصبت خيالهم إلى حد الإبداع، فظهر ذلك في أعمالهم الروائية والمسرحية والشعرية والموسيقية وغيرها. ” ألف ليلة وليلة ” جديرة بالدخول إلى كل بيت ليقرأها الآباء والأبناء وكل من يبحث عن الخيال والجمال والثقافة.

اللغة

تعكس اللغة في نسخ (ألف ليلة وليلة) عامية بغدادية لها أهمية في دراسة اللغة العربية و كيفية تحولها إلى ما آلت إليه في عصرنا الحالي فهناك ألفاظ و جمل ما زالت إلى اليوم تستعمل في بلاد الشام ” المعروفة قديماً ” ففي مصر والعراق والأردن وسوريا والبلاد الأخرى كبلاد المغرب والحجاز نجد عناصر هذه التراكيب الدارجة والأساليب العامية والكلمات. و هذا فضلاً عن أن هناك تراكيب ظلت كما هي على مدار الكتاب في كل مناسبة لم تتغير ولم يحاول المؤلف أن يتصرف فيها بل تطل علينا في كل سياق.



أضف تعليقا