الحق أقول لكم

تقدم كلمة حق و تعرض رؤية مستنيرة.

القرد و السياسة

القـرد و السـياسة

لعب القرد دوراً فى الخطاب السياسي الشعبي . والدليل على ذلك المثل الشعبي القائل " ارقص للقرد فى دولته " . وهذا المثل مشهور ، وقد سجله من قاموا بجمع الأمثال الشعبية فى كتبهم .

 فرواه الشيخ محمد شكري فى مجمع الأمثال العامية  وبوركهارت فى "الأمثال العامية المصرية " وهى أمثال جمعها شرف الدين بن أسعد واستبدل كلمة " دولته " بكلمة "زمانه " ، ورواه محمود عمر الباجورى فى "أمثال المتكلمين من عوام المصريين " ، وأحمد تيمور فى "الأمثال العامية " ،ونعوم شقير فى " أمثال العوام من مصر والسودان والشام ،وأوردته فايقة حسين راغب فى "حدائق الأمثال العامية " بصيغة " اسجد لقرد السوء فى زمانه ، وداريه ما دام فى سلطانه " وهو بيت من شعر جعفر بن شمس الخلافة (543 622 هـ ) الشاعر المصري .

ورغم أن المثل يدعو إلى الخنوع والإمتثال للحاكم ، ولو كان قرداً ، فقد استهوى الكثير من الشعراء فأدخلوه فى شعرهم .

ولعل أولهم ثعلب أحمد بن يحيي ( 200 291 هـ ) إمام الكوفيين فى النحو و اللغة فهو يقول :                            فـــإن تلقـاك بقيروانـــه

           أوخفت بعض الجور من سلطانه

           فاسجـد لقـرد السوء فى زمانه

والقيروان هنا تعنى الجيـش ، وقد أورد الشعر ابن منظـور فى معجمـه " لسان العرب " . وقد تبع ثعلب الكثير من الشعراء فقال ابن كثير :

               ويلبس للدهر أثوابه    ويرقص للقرد فى زمانــه .

وقال الأهوازي :

                لا ذنب فيما فعلت إنى    رقصت للقرد فى زمانــه .

وقال أبو تمام :

                لابـد يا نفس من سجود   فى زمن القرد للقــرود .

وقال آخـر :

               إذا زمان الأسود ونى   فارقص مع القرد فى زمانـه .

القرد وسياسة بنى أمية

صعد معاوية ( 20 ق هـ 60 هـ ) أول خلفاء بنى أمية المنبر يوم جمعة ، فقال فى خطبته : أيها الناس إن المال مالنا ، والفئ فيئنا : من شئنا أعطيناه ، ومن شئنا منعناه . فلم يجيه أحد . فلما كان في الجمعة الثانية قال كذلك ، فلم يجبه أحد . فلما كان فى الجمعة الثالثة قال كذلك فقام إليه رجل فقال: كلا يا معاوية ،ألا إن المال مالنا ، والفئ فيئنا ، من حال بيننا وبينه حاكمناه إلي الله تعالي بأسيافنا ! فنزل معاوية وأرسل إلي الرجل فأدخل عليه .فقال القوم: هلك الرجل . ثم فتح معاوية الأبواب فدخل عليه الناس ، فوجدوا الرجل معه علي السرير. فقال معاوية :أيها الناس ، إن هذا الرجل أحيانى أحياه الله . سمعت رسول الله ( ص ) يقول :"ستكون أئمة عن بعدى يقولون فلا يُرد عليهم ، يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة " وإنى تكلمت أول جمعة فلم يرد علي أحد شيئاً ، فخشيت أن أكون منهم .ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد علي أحد شيئاً ، فقلت في نفسى أنت من القوم. فتكلمت في الجمعة الثالثة فقام إلي هذا الرجل فرد علي ،فأحيانى أحياه الله ، فرجوت أن يخرجني الله منهم ..ثم أعطاه وأجازه.

لقـد ذكرت هذه القصة وروى هذا الحديث في كتاب " المستدرك " وكتاب " شفاء الصدور" "لابن سبع ، و" المعجم الأكبر " و"المعجم الأوسط " للطبراني . لقد ضرب معاوية الصحابي وكاتب الوحي وصهر الرسول (ص) وخليفته مثلاً عملياً في السياسة ، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم مستخدماً أحد أحاديث الرسول (ص) .

وقد جاء ذكر القردة في حديث آخر للرسول (ص) يتصل بالسياسة والحكم وبني أمية .ففي كتاب " المستدرك " عن مسلم الزنجي ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة (رض) قال : إن النبي (ص) قال : " رأيت في منامي كأن بني الحكم بن أبي العاص ينزون علي منبرى كما تنزو القردة " فما رؤي النبي صلي الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتي مات .

والحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي ( 00 ـ 32هـ ) صحابي ، أسلم يوم الفتح ، وسكن المدينة ثم نفاه النبي (ص) إلي الطائف ، أعيد إلي المدينة في خلافة عثمان ، فمات فيها ، وهو عم عثمان بن عفان ، ووالد مروان رأس الدولة المروانية . ولكن ينبغي أن نأخذ هذا الحديث بحرص شديد ،فقد ماج العصر الأموي بالصراعات السياسية بين الأحزاب المختلفة ، وكانت الأحاديث الموضوعة سلاحاً فعالاً في تلك الصراعات .

مملكة القرود في ألف ليلة وليلة

ولأن القرد كالإنسان يعيش في جماعة ، ويتعلم الصنعة ، ويأخذ نفسه بالزواج والغيرة علي الإناث  ، لذا فقد تصور القاص الشعبي في حكاية " جانشاه " والتي تفرعت عن حكاية " حاسب كريم الدين " مملكة للقرود لها أربعة وزراء من القرود ، ولها جيش عسكره من القرود ، يركبون كلاباً في صورة الخيل ، ولكن القرود يختارون " جانشاه ابن الملك طيغموس " الآدمي سلطاناً عليهم ، بل وخسفوا المركب التي وصل بها إلي جزيرتهم حتى لا يهرب فيها ، فقط كانوا بحاجة إليه ليقودهم في حربهم ضد أعدائهم الغيلان . ويصف القاص الشعبي مراسم تنصيب جانشاه سلطاناً علي القرود " ثم قال له القرود اعلم أيها الملك إنك علينا سلطان ونحن في خدمتك وكل واشرب وكل ما أمرتنا به نفعله ثم قام القرود وقبلوا الأرض بين يديه " وتقبيل الأرض بين يدي السلطان الجديد كان من التقاليد المتبعة في دولة المماليك كإعلان عن الطاعة والولاء للسلطان الجديد .

لقد ساعد تراكم الحكايات عن القرود القاص الشعبي في بناء خياله عن مجتمع ومملكة القرود ، فعن تعلم القرد للصنعة حُكىأن ملك النوبة أهدى إلي الخليفة المتوكل قرداً خياطاً وآخر صائغاً ، وأن قرداً بالرملة كان يصوغ فإذا أراد أن ينفخ النار أشار إلي رجل حتي ينفخ له ، وأن أهل اليمن يعلمون القردة القيام بحوائجهم حتي أن القصاب والبقال يعلم القرد حفظ الدكان حتي يعود صاحبه ، بل حتي يُعلم السرقة فيسرق : وقد ذكر بديع الزمان الهمداني (358 ـ 398 هـ ) في المقامة الرصافية استخدام القرد في السرقة . لذا جعل القاص الشعبي القرد فارساً محارباً ووزيراً . أما زواج القرد وغيرته علي الإناث فقد حكي عمرو بن ميمون الأزدى وهو من التابعين  الكوفيين أدرك الجاهلية " رأيت في الجاهلية قردة قد زنت اجتمع عليها قردة فرجموها ورجمتها معهم " . وقد وردت الحكاية في بعض نسخ البخارى وفي " التاريخ الكبير" للبخارى أيضاً . وهذا عند جماعة عن أهل العلم منكر: إضافة الزنا إلي غير مكلف ، وإقامة الحدود علي البهائم

.

 



أضف تعليقا